صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

7

أنس المسجون وراحة المحزون

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وأفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم على محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين [ مقدمة التحقيق ] الحمد للّه كما أمر ، وله الشكر على ما أنعم ووهب ، وهو القائل بمحكم تنزيله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [ الزخرف : 84 ] كل شيء عنده بمقدار ، خلق الإنسان ، ووضع الميزان ؛ وقال عزّ من قائل : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ( 6 ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) [ الزلزلة : 6 ، 7 ] سريع الحساب ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه نذيرا وبشيرا ، ليقيم الدّين ، ويبشّر المخبتين ، ويجاهد الكافرين ، أرسله لإقامة شرعه ، وإنفاذ حكمه . فللّه الحكم وله الأمر ، وضع الحدود ، وجعل التعزير رأفة ورحمة لعباده في هذا الوجود . ومنذ تمّ أمر اللّه ، وقامت دولة الإسلام ، وتوطّدت أسسه وأركانه ظهرت الحاجة في كثير من الأحكام إلى ترشيد الزالّين عن الصراط ، بتعويقهم وسجنهم ، وقد ورد في القرآن الكريم أكثر من آية تأمر الحاكم بسجن الجناة ، كقوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 33 ) [ المائدة : 33 ] ومعنى يُنْفَوْا : يسجنوا لأن نفيهم حقيقة من الأرض لا يعقل ، فإن أيّ مكان يرسلون إليه هو من الأرض . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري تعليقا 5 / 62 في الاستقراض ، باب لصاحب الحق مقال ، وأبو داود -